السيد محمد باقر الصدر

245

المدرسة القرآنية ( تراث الشهيد الصدر ج 19 )

تنبيه للانسان إلى ما يشتهيه ، لا قوة دافعة تسخر إرادة الانسان دون ان يملك بإزائها حولًا أو طولًا ؛ وقد اطلق الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله على عملية تحرير الانسان هذه من شهواته الداخلية اسم « الجهاد الأكبر » . وإذا لاحظنا قصة تحريم الخمر في الاسلام استطعنا أن ندرك - من خلال هذا المثال - مدى نجاح القرآن في تحرير الانسان المسلم من أسر الشهوة وتنمية إرادته وصموده ضدها ؛ فقد كان العرب في الجاهلية مولعين بشرب الخمر معتادين عليها ، حتى أصبح ضرورة من ضرورات الحياة بحكم العادة والألفة ، وشغلت الخمر جانباً كبيراً من شعرهم وتأريخهم وأدبهم ، وكثرت أسماؤها وصفاتها في لغتهم ، وكانت حوانيت الخمارين مفتوحة دائماً ترفرف عليها الأعلام ، وكان من شيوع تجارة الخمر أن أصبحت كلمة التجارة مرادفة لبيع الخمر في مثل هذا الشعب المغرم بالخمر نزل القرآن الكريم بقوله تعالى : « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ » « 1 » . فما قال القرآن « اجتنبوه » إلّا وانطلق المسلمون إلى زقاق خمورهم يشقونها بالمدي والسكاكين يريقون ما فيها ، ويفتشون في بيوتهم لعلّهم يجدون بقية من خمر فاتهم ان يريقوها ، وتحولت الامّة القرآنية في لحظة إلى امّة تحارب الخمر وتترفع عن استعماله ، كل ذلك حدث لأنّ الامّة كانت مالكة لارادتها ، ( حرة ) في مقابل شهواتها ، قادرة على الصمود أمام دوافعها الحيوانية ، وأن تقول بكلّ صرامة وجد حين يدعو الموقف إلى ذلك ، وبكلمة مختصرة كانت تتمتع « بحرية ( حقيقية ) تسمح لها بالتحكم في سلوكها » .

--> ( 1 ) المائدة : 90